عن فاروق حسان، عن نادي الأدب.. وعني


لا أعلم هل أشكر صديقنا مينا كرم أم ألومه؟

دعاني إلى ندوة حزب التجمع عن القاص السوهاجي الراحل فاروق حسان، واستمعت إلى تاريخ الرجل من أستاذنا القاص العظيم محمد عبد المطلب، فاكتشفت أنه يحكي ضمن ما حكى عن بعض أيامي.

حكى أستاذنا عن أستاذنا فذكرني أن بعضا مني تشكّل في الطريق إلى نادي الأدب، أنني مارست صداقتي مع صديقي عمرو السيد في مشاوير النادي، في القصص التي كنا نكتبها صباح الأحد، ونُسمِعها لبعضنا في الهاتف، ونمشي طريقنا نتخيل رد فعل 'الرجل الأبيض' المرعب، الذي أنفقنا وقتا نقرأ أمامه قصتنا الأخيرة طمعًا في رأيٍ فمط شفتيه ولم يقل سوى: 'تؤ'!

تذكرت أن بعضا مني نشأ في مناقشات ما بعد النادي، في مقهى الزراعيين، في بيت عمرو أمام الكمبيوتر نعد تصميم صفحات مجلة 'أنا موهوب'، ثم مجلة 'أقلام' في إصدارها الجديد، أو في مقهى العدالة مع مصطفى السيد سمير، وعصام مهران، ومحمد عبد الرازق، وأحمد علي خضر حيث كنا نناقش/ نسخر من كل ما سمعنا آنفًا.

تحدث أستاذنا عن حدة فاروق حسان، فتذكرت أن عمروا هاجم النادي في قصة المرايا، (التي دخل فيها قصر الثقافة يتجول فيه بين المرايا فيرى أنفه كبيرة أحيانا، ويده طويلة أحيانا، ويرى نفسه قصيرا وسمينا، فيجري مرعوبا) وضحكنا كثيرا من رد فاروق حسان الذي لم يزد عن: 'متشكرين'.

كنت أسمع هذا الآن وأنا لا أكتب إلا سطر حالة على فيسبوك بالكاد، ولا أمارس إلا جراحة المسالك، فأشعر أنني أسير في الدنيا وقد فقدت بعضي في الطريق إلى نادي الأدب، أو في الطريق منه، أو على كرسي قذر على الزراعيين.

في يوم كهذا


في يوم كهذا انتقلت كليةٌ نابضةٌ من جسد عبد الرحمن أخي إلى جسد إسلام أخي.
كلية عبد الرحمن تقوم بوظائفها منذ عام؛ تحبس دموع أمي التي كانت تسيل بمواعيد جلسات الغسيل، وتفكّ ارتباط إسلام أخي بالأجهزة، وتمنع اكتئاباً يصيبني كلما شممت رائحة الأمونيا المنبعثة من أنفاسه.
كلية عبد الرحمن منذ عامٍ كامل، تضمن له ثوابا بعدد دعائنا له في كل صلاة، وتضمن لإسلام سهولة التخلي عن كوفية يلبسها صيف شتاء ليغطي أنابيب تخرج من رقبته.
في يوم كهذا منذ عام، لم يتبرع عبد الرحمن بكلية، بل أهدانا جميعا مضغة صالحة؛ تبرع بقلب.

في تحدي الملل!

06ec238da916cdf432840fa2bf24c8f8

أستيقظ وأود لو أعود إلى النوم ثانية. لا لشيء إلا لأن الصحو أصبح مملا. الحياة أصبحت منتظمة بشكل غريب، مجدولة بشكل رتيب، ومملة بحيث لا أتذكر متى كانت آخر مرة أرفع فيها حاجبي في دهشة.. ورقة بيضاء فارغة تماما معلقة على صفحة روحي.

لكن لمعة من مكان في يدي تنبهني.. فتتدفق في عقلي تفاصيل جديدة مبهجة: "صباح الخير" النائمة التي تعزفها في الصباح، ضغطها على حرف الكاف في "سكّر"، همسها في اختلاس الكلمات، تظاهرها بالشخط في "يلا قوم، كفاية كسل"!

الحلقة الفضية اللامعة في يدي اليمنى تفصيلة جديدة، كبيرة ملء الورقة البيضاء، مدهشة ، ومبهجة، وطاردة للملل.

ثلاثة مشاهد من القاهرة

Egypt_Cairo_DowntownPeople4[1]

في لحظة ما تخلو القاهرة من ابتذال الزحام، وتفاجئك بمشاهد مدهشة.

(1)

سائق الميكروباص، الذي هو عادة كائن بصوت مرتفع، وبسباب مستمر، كان هذه المرة لطيفا لسبب ما. ثم ليزيد غرائبية المشهد، فاجأ الجميع بتوزيع (العسلية) مجانا، وقبل حتى أن يحصل على أجرته.

رجل واحد فقط أظهر فرحة ما بالحلوى، وقال للسائق إنه كسب للتو أجر إفطار صائم.

بعد دقائق كان المشهد هكذا:
السيدات يستخرجن السندوتشات المختفية في مكان ما من حقائبهن، والرجال يبحثون في جيوبهم عن باكيتات البسكويت، والرجل الصائم يرفض كافة العروض التي تنهال عليه بإلحاح.

أطفال الميكروباص أيضا أرادوا المشاركة في سباق إفطار الصائم هذا بالعسلية التي حصلوا عليها للتو من سائق لطيف على نحو مدهش.

(2)

المترو ليس مزدحما جدا، لكن لا توجد مقاعد شاغرة.

العجوز دخل للتو، قبل أن يلمحه فجأة رجل كبير آخر، لكنه ليس شيخا كبيرا. قام الرجل من مكانه ليفسح مجالا للعجوز. كان هذا قبل أن يلمح شاب في المترو رجلين كبيرين يتعازمان على مقعد.

- والله ما هيقعد غير مكاني.

قالها بكرم صادق. لكن الرجل الكبير رفض، وقال إنه لن يفرط في الثواب بسهولة. أخذ كل منهما يلح على العجوز ليجلس، وكان الأخير يصرخ:

- مش هقعد، ارجعوا أماكنكم، أنا نازل… والله العظيم نازل.

كان في العربة واقفون كثر. لكن أحدا منهم لم يجرؤ على الاقتراب من كرسيين فارغين يقف بالقرب منهما ثلاثة رجال يتعازمون على واحد منهما.

(3)

بائع جائل دخل الباص بكيس أسود في يده. ثم قال بصوت مرتفع:

- I have a surprise

صمت تام. لا شيء سوى رؤوس مرفوعة وعيون مصوبة ناحية بائع جائل يخبرنا عن مفاجأة بالإنجليزية. ثم وكأنه لاحظ الدهشة فقال بطريقة مسرحية:

- Oh yeah!

رفع الكيس الأسود وقال:

- The surprise is here in this bag

اخترق الصمت بعض همهمات من الركاب، ثم علا صوت أحدهم:

- يا عم شوقتنا، ايه اللي معاك؟

قال الرجل وهو يتصنع نظرة غاضبة:

- Surprise is about timing! Be patient.

ثم راح يستخرج مفاجأته من كيسه الأسود:

- عسلية!

بعد دقائق، أصبح المشهد هكذا:
باص كامل، بركابه الجالسين والواقفين، يأكلون أصابع العسلية التي دفعوا فيها ثمنا بخسا، ويتبادلون ضحكات وابتسامات حصلوا عليها بلا مقابل يذكر.

تسع سنوات، بطرحة، في 418

 

girl

 

البنت ذات التسع سنوات، السمراء التي ترتدي الطرحة في آخر سرير في 418، لم تذهب إلى الحمام منذ أجريت لها استئصال حصوة من كليتها اليسرى في الصباح.

أمها تقول إن البنت لا تقوى على الحركة تأثرا بآلامٍ في مكان الجرح، وأنا لا وقت لدي لدلع البنات، وتفريغ المثانة مهم.

الممرضة ناولتني الكيان الأنبوبي السحري بمقاس مناسب. ثوانٍ ويتجمع كل السائل الأصفر المصبوغ قليلا بالدم في كيس وننتهي.

البنت ذات التسع سنوات، وبخجل فطري، وبإصرار غريب، ترفض أن يتم الأمر بسهولة. تضم فخذيها فتغلق الطريق، نباعد بين فخذيها فتضع يدها، نجذب يدها فتضم فخذيها من جديد.

بغضب، بتقطيب الحاجب، وببعض الصوت المرتفع:

- وبعدين؟

بدا أنها استجابت لكنها، وبما يبدو أنه أمر خارج عن إرادتها، عادت تمارس نفس الإصرار. عزمت أنا عندها على إتمام هذا الأمر بالطريقة العنيفة، قبل أن تلقي في وجهي جملتها المدهشة:

- لو لي خاطر عندك.. بلاش.

نظرت في عينيها مستغربا. لماذا تظن البنت ذات التسع سنوات في 418 أن خاطرا ما لها عندي؟

- لو لي خاطر!

قالتها باستعطاف حقيقي أصبح معه الكائن الأنبوبي في يدي حية تسعى، وأصبحت أتساءل أنا عن السبب الذي يجعلني أقتحم منطقتها الخاصة بكل هذا الصلف.

- طيب تتجدعني كده وتروحي الحمام؟

- طب تسنّدني؟

- أشيلك لحد هناك.

أكثر مما يجب!

Migration

لا لَنْ أُهاجِرَ
حامِلاً رِئِتي بعيداً عن هوائِكِ يا بلادَ النّخْلِ
كيْ أشْكوكِ للأغرابِ ..
أو أُبدي العِتابَ وراءَ ظَهْرِكِ..
ما تَعَوّدْتُ الخِيانَةَ .. فاسْمَعي:
إنّي أُحِبُّكِ يا بِلادي
(إبراهيم محمد إبراهيم)

أشعر بغصة غريبة في حلقي كلما سمعت من صديق عن نيته في الهجرة. ليست خيارا مطروحا فيما يتعلق بمستقبلي. ورغم أنني أعرف أن الحياة هنا ربما من أصعب صور الحياة على الكوكب، لكنني لا أزال لا أفهم معنى أن ينسلخ أحدهم من محيطه فجأة، وأن يقطع جذوره بيديه.

هل أنا عاطفي أكثر مما يجب؟

ربما، لكن الأكيد أن آخر تجربة انسلاخ كهذه لي لم تكن تجربة جيدة مطلقا، فبعد عودتي من السعودية التي عشت فيها طفولتي وبدايات شبابي، عدت إلى مصر لأشعر بغربة الصحارى بين من يفترض أنهم أهلي. كنت أفتقد أصدقائي بشدة، وكنت أضيق ذرعا حتى بالتسميات المختلفة للأشياء الصغيرة. وكانت النتيجة أنني عانيت من فترة اكتئاب كنت أبكي خلالها بلا سبب واضح، أتلمس الاتصال بأصدقائي القدامى عن طريق الهاتف، وأسترجع الذكريات باستعراض الصور، وأتمسك باستخدام "محاية" بدلا من "أستيكة" و"مساحة" بدلا من الكلمة القبيحة "بشاورة".

هل أنا مثالي أكثر مما يجب؟

كنت أحيانا أسأل: هل يجوز أن نترك بلدنا جميعا إلى بلاد - لم يعد لنا فيها سوى الإهانة أصلا – مقابل المزيد من النقود، والمزيد من الغربة، والمزيد من التعب؟ وكان الأصدقاء ينظرون لي كأبله حين أحدثهم عن "الصالح العام" و"مستقبل البلد" و"الذين اختاروا الهرب في وقت البناء".

هل أنا متفائل أكثر مما يجب؟

دائما أكرر أن النجاح الكافي هنا خير مائة مرة من النجاح الفائق هناك. النجاح الكافي هنا صعب لكنه ليس مستحيلا، أو هكذا أعتقد. والمكان مليء حولي بمن استطاعوا صنع مستقبل جيد لأنفسهم وسط أهلهم وذويهم وفي وطنهم ببعض المجهود، واستطاعوا السفر – كسياح – إلى كل بلاد الدنيا دون غربة ودون عناء.

أم أن علي أن أواجه نفسي بالحقيقة، وأقول إنني كسول أكثر مما يجب؟ جبان يميل للعب في المضمون أكثر مما يجب؟ والأهم: أنني أكذب على نفسي أكثر – بكثير – مما يجب؟

“… وسوف أظل”

110128232142__president_hosni_mubarak_976x549_reuters_nocredit

كنت في القاهرة يوم جمعة الغضب. شهدت بعض الكر والفر واستنشقت المزيد من الغاز المسيل لدموع الفرح، لكنني تراجعت بعد إعلان الحاكم العسكري لحظر التجول، وجلست إلى مقهى في (الرحاب) أتابع ما يحدث.

كانت القاهرة قد اشتعلت تماما، وبات مشهد النيران التي تأكل عربات الشرطة ثم مشهد استلام الجيش بدباباته زمام الأمور، وكأنه جزء جديد من Resident Evil تجري أحداثه في مصر.

بعد صمت مطبق طويل، خرج (فتحي سرور) يخبرنا أن أمرا مهما سيتم إعلانه بعد قليل، فخرج بوز الإخص بالأعلى ليقول إنه أقال الحكومة وأنه “كان دائما، وسوف يظل…”.

لم أستمع إلى أي كلمة بعدها! لم تلتقط أذناي أي كلمة، لأن لساني كان يعمل بكامل طاقته وقد اختفى أي تأثير لسيطرة قشرة المخ، فراح ينطلق ذاتيا بالسباب.

أهذا هو الإعلان الهام يا (فتحي)؟! أنه “سوف يظل”؟!

منذ هذا اليوم، وأنا أعاني من كابوس يومي يظهر فيه (مبارك)، متجهما متنطعا كعادته وصدى الصوت يردد كلمته القبيحة: “وسوف أظل.. وسوف أظل.. وسوف أظل”.

توقف الكابوس بعد أيام وحل محله فرح غامر بالتنحي، لكنني الآن – وبعد كلام (هيكل) و(بلال فضل) و(حلمي النمنم) -  أرى (مبارك) وأسمع صوته القبيح في حكومته الحالية، وفي رؤساء الجامعات الحاليين وفي شباب الحزب الوطني هنا في سوهاج، وتنامى لدي القلق من أن نكون قضينا على نسخة واحدة فقط لمبارك بينما نسخه الأخرى الكثيرة… “سوف تظل”!