قلنا إن المريض المصري يأتي إلى المستشفى محملا بكل أخلاقه خارجها. حسنا هو يأتي أيضا محملا بكل ما يقال عن إهمال الأطباء في مستشفيات مصر في برامج التوك شو، وعلى المساطب، وكان عليه إذن أن يبتكر ويتفنن في مقاومة الإهمال المتوقع!
اتصل مدير المستشفى بأحد زملائنا أطباء العظام. قال وهو يصرخ:
- فيه عندكم عيان اسمه (...) بيشتكي انه ما أخدش علاجه. شوف قصته ايه.
هم السبب! لا أعرف سببا وجيها واحدا لوضع تليفونات مدير المستشفى على لافتة كبيرة في أوضح مكان بالمبنى، "اشربوا بقى".
بعد البحث والتمحيص عن المريض، (نصف ساعة من البحث والتمحيص يا مؤمن) عثر عليه الزميل الفاضل. سأله:
- انت بتشتكي ليه يا حاج؟! أنا شفتك قبل كده؟
- وأنا لسه هستنى لما آجي وتهملوني؟!
الرجل اشتكى قبل أن يأتي للمستشفى – تمهيدا لحضور معاليه، وحسبي الله ونعم الوكيل!
هذا حل. الحل الثاني أن يبحث المريض عن أي قريب في المستشفى، طبيب، ممرضة، مساعد تمريض، ويبدأ في إملاء رغباته التي لا تنتهي.
كنت أقلب في التذاكر الخاصة بمرضى قسم المسالك، حين وجدت تذكرة لمريض يشكو من... ولا بلاش. المهم كان المريض "بلدياتي"، فقلت لنفسي "اعمل يا واد واجب مرة في حياتك وشوفه يمكن محتاج حاجة".
أقر الآن أن هذه كانت أسخف أفكار حياتي. ذهبت للرجل وقلت:
- أنا يا عم (...) بلدياتك لو محتاج أي حاجة قول.
تبادلنا التعارف واتضح أن الرجل يعرف معظم أعمامي وأخوالي، وتحول الرجل البلديات إلى كابوس مقيم.
كنت أخرج من استراحة المستشفى لأجده في وجهي يمسك تليفونه المحمول ويمده إلي وهو يبتسم أكثر الابتسامات التي رأيتها في حياتي اصفرارا ويقول:
- عمك (...) عايز يكلمك.
أتكلم مع عمي الذي يوصيني بالمريض خيرا فأسمع الكلمتين وأعيد للرجل تليفونه. بعدها بساعات يصادفني الرجل في طرقة المستشفى فيجري نحوي ويمد لي بتليفونه المحمول مع ابتسامة برتقالية:
- خالك (...) عايز يكلمك.
اللهم طولك يا روح!
- أيوه يا خالو... في عنينا والله، يا سلام؟! انت تؤمر.
وهكذا...
صرت أخاف من مغادرة استراحة الأطباء لأي سبب. أشعر أنني سأفتح صنبور المياه لأجد الرجل ينزل منه ماسكا هاتفه المحمول مع ابتسامته الملونة.
المشكلة أن الطلبات تأتي غالبا في منتهى السخف. وكانت أعصابي قد انهارت تماما حين قلت له وأنا أبتسم ابتسامات حمراء:
- هو انا يا حاج قصرت معاك في حاجة؟ مش انا اللي جيت وقلت لك أنا بلدياتك.
- الشهادة لله: أيوه.
- كان يوم اسود!
حل آخر. المريض المصري، الذي تعود أن ينافق عسكري المرور في الشارع، وضابط الشرطة في الكمين، ورئيسه في العمل، سينافق الطبيب أيضا.
- يا باشا والله انا بخف أول ما بشوفك، والله أنا بحبك انت بالذات دونا عن كل الدكاترة اللي هنا، والله ده حتى الدكتور (...) حب يغير لي على الجرح، ما رضيتش اقوم معاه عشان مستنيك.
لا تصدق حرفا واحدا من كل هذا، النقط أعلاه سيضع مكانها المريض أسماء مختلفة مع كل طبيب، وربما يسب ويلعن في أدائك مع أقرب ممرضة بعد انصرافك.
حل جديد: المريض بعد مدة من البقاء في المستشفى يعرف ترتيب الأطباء الوظيفي. يعرف رئيس القسم من المدير المناوب من.. من...
كنت قد أنهكت تماما من المرور على قسم المسالك في أحد الأيام. وتابعت كل مريض وعلاجه وقساطره وخلافه... وإذ بي أفاجأ بمرور لرئيس قسم المسالك في وقت غير متوقع على الإطلاق.
المهم أن أحد أولاد الكلب في عنبر المسالك، صرخ من الألم بمجرد رؤيته لرئيس القسم. الرجل كان "زي الفل" منذ لحظات. وعندما اقترب منه الدكتور صاح:
- يا بيه ما حدش عدى علينا من الصبح يا بيه!
- في سري: آه يا ابن الكدابة.
وهو يهم بالمغادرة قلت لرئيس القسم: "والله يا دكتور لسه طالع من عنده".
قال وهو يبتسم:
- عارف والله يا أحمد. احنا ما عندناش مرضى هنا؟
- ؟؟؟ !!!
- اللي عندنا دول ولاد وسـ….
ولا بلاش، الطيب أحسن.



